الأحد، 1 أبريل 2012

القنصل الهولندي ورحالة ألماني في زيارة تاريخية لحضرموت عام 1931م

القنصل الهولندي ورحالة ألماني في زيارة تاريخية لحضرموت عام 1931م



صورة قديمة لمدينة المكلا في الثلاثينات من القرن الماضي

 منظر من وادي حضرموت




وادي دوعن



وادي دوعن  حضرموت




مدينة شبام  التاريخية   في حضرموت




القصر السلطاني بمدينة سيئون  حضرموت



مدينة تريم  -منارة المحضار


سنتجاوز التمهيد والمقدمات ،وسنترك للقارىء الكريم الفرصة أن يتصور مجتمع حضرموت من خلال رؤية صور حية تعود بنا إلى ماضي بعيد لكنه غير قديم جداً من عاشه وهو حي يرزق اليوم يكون عمره وأحد وثمانون عاماً 0
الكولونيل" دانيال فان در ميولين والرحالة الجغرافي"لدكتور. هـ . فون فيسمان قاما برحلة إلى حضرموت في صيف عام 1931م وكانت حضرموت تتقاسمهما السلطنتين الكثيرية في الداخل والقعيطية في الساحل وجزء من الوادي0
أستكشفا مجتمع حضرموت من داخله وبعضاً من تراثه وآثاره ،ولا شك ولا ريب أن لهما أهداف مختلفة منها ماهو سياسي كما أستنتج ذلك مترجم الكتاب الدكتور محمد سعيد القدال أحد خبراء ومستشاري بريطانيا في حضرموت في القضايا التعليمية والإجتماعية الذي عاش طويلاً في حضرموت بعد أن أنتقل من السودان أبان فترة الإحتلال البريطاني فذكر أن من أهم أهداف هذه الرحلة (أن عددا كبيراً من الحضارم يعيشون في مستعمرات هولندا في جزر الهند الشرقية, وأصبح لهم وزن اقتصادي واجتماعي وسياسي. فكانت هولندا تريد أن تقف على الأوضاع في موطن الحضارم الأم, عسى أن يساعدها ذلك في ضبط حكمها في مستعمراتها هناك, خصوصاً بعد أن احتدم الصراع بين العلويين والإرشاديين المناوئين لهم.)
وفي كل الأحوال أن هذا لايعنينا اليوم إلا من خلال استكشاف رؤية الأوربيين لواقع حضرموت قبل ثمانين عاماً وماهي الرؤية اليوم في ظل الظروف والمتغيرات الدولية 0
ومن النقاط المهمة التي يمكن للباحث والقارىء الحصيف أن يلاحظها هو تشابه الظروف في بعض من جوانبها لما تمر به البلاد قاطبة وحضرموت خاصة كالظروف القاسية و الاضطرابات والحروب والمنازعات القبلية والسياسية وضعف تماسكه الداخلي نتيجة سياسات معينة ،ثم وقلق المجتمع الحضرمي من مستقبل بلدهما كما كان تعبر ذلك الشخصيات الإجتماعية وأعيان المجتمع من علماء وسياسين وتجار حضارم بهذه الصورة من قبل للأوربيين الزائرين كالقنصل الهولندي "دانيال" قبل ثمانون عاماً من اليوم !
سنختار لهذا وقفات من ماكتبهما من إنطباعات وإفادات ومشاهدات تناسب الموضوع التاريخي والعلاقات الإجتماعية والتراث الشعبي والآثار التي تزهو بها حضرموت أرض الحضارة والتاريخ العريق الواغل في القدم
0
الوقفة الأولى
رؤيتهما أن حضرموت بلد عريق في الحضارة والقدم والرخاء والثروات ووجهة نظرهما أن الإضطرابات السياسية والقبلية حدثت بعد دخول الإسلام حضرموتوكانت سبباً لهجرات الحضارم وهي من الهجرات الأولى في التاريخ !؟
يقول
: (000واشتهرت حضرموت في الأزمان القديمة بتصدير البخور والمرّ. وتدل آثار ونقوش الفترة التي سبقت الإسلام على ماض عرق ورخاء.
لكن رخاء الأيام الخوالي قد ولى منذ قرون تحت وطأة ظروف غير مواتية, وخلفه دمار يبعث على الأسى. صحيح أن الإسلام وجد طريقه منذ وقت مبكر إلى هذه البلاد, وأن العلم الإسلامي قد شكل, ضمن أشياء أخرى, طبقة بين السكان من التابعين المتفانين, ولكن النسق السياسي لهذا الدين لم يفلح في أن يجعل من حضرموت أرضا آمنة. فالحروب القبلية التي مزقت الناس, جعلت البلاد مغلقة عمليا أمام الزوار الأجانب, حتى ولو كانوا مسلمين. ومنعت السكان في نفس الوقت من استغلال أرضهم حسب جهدهم وهم في أمن وأمان. وبما أن الحضارم لهم قدرة حققوا بها نجاحا في ظروف الاستقرار, فقد أخذت أعداد كبيرة منهم تتسرب منذ قرون على اليمن ومصر وسوريا. ثم اتجهوا في القرون الثلاثة الأخيرة إلى الهند وجزر الهند الشرقية. ومن بين كل أجزاء الجزيرة العربية فإن حضرموت هي موطن الهجرات الأول.)
 الوقفة الثانية
ذكرت آنفاً فيما تقدم من رؤية المشهد في حضرموت عام 1931م أن عدم الأستقرار كان نتيجة لأفتقاد الأمن في ربوع حضرموت الأمر الذي دفع بالحضارم إلى الهجرات عبر التاريخ فغادر الكثير منهم في موجات مختلفة ،لعدم تمكنهم من إستثمار أرضهم من جهة والحصول على حياة كريمة تؤمن حياتهم ومستقبل من يرعونه تحت أيديهم من أهلهم وذرياتهم ، ويمكن أن نستنج من هذا أن الحروب القبلية والمنازعات السياسية على الحكم التي شهدتها حضرموت قبيل الحرب العالمية الثانية بين سلاطين يافع وآل كثير وحلفاءهم من جهة والبؤس والفقر والترف والغناء الذي شاهداه الباحث الهولندي (دانيال )والرحالة الجغرافي الألماني (فون فيسمان )على وجوه الناس كوجهين متناقضين في مجتمع حضرموت في تلك الفترة عام 1931م - جعلهم يبحثون في شخصيية الحضرمي التي تخفي الشيء الكثير ،فهو الذي نجح خارج بلده وبعيداً عنها وكون الثروات الطائلة وعاش آمناً مستقراً هادئاً نافع غير ضار!!أنظر ماذا يقول الباحث :(000نجح الحضارم في الأزمان الغابرة في تأسيس سلطنات في جاوا (مثل: سياك, بونتياك). ولكنهم اقتنعوا الآن بالتجارة والمعاملات المالية. وبعضهم أثر وعاد إلى بلاده. وآثر بعضهم الآخر أن يستمتع بعيدا عن اضطرابات حضرموت ويمارس المتع التي لا تتوفر هناك. ويبلغ عدد الحضارم في جاوا بين سبعين وثمانين ألفا وبينهم مليونيرات.)
وهنا تلاحظ مدى أهتمام الأوربيين بجمع المعلومات عن الحضارم أكانوا في جاوا أو الهند أو شرق أفريقيا ومحاولات عدة لهم للوصول إلى قراهم ومدنهم للتعرف عن كثب عن الحضرمي الذي يعيش بين ظهرانيهم في بلدانهم او البلدان التي هي خاضعة لسيطرتهم كمستعمرات حتى أنه في عام 1886م نشر ل. سي. فان دن بيرخ (Van den Berg) - مستشار حكومة هولندا في جزر الهند الشرقية - كتابا احتوى كذلك على وصفا لحضرموت أي للأرض الأم لأولئك المهاجرين. وقد جمع معلوماته من الحضارم في جاوا. ولاشك أن غيرهم من الأوربيين كالإنجليز والفرنسيين لو جلست مع أحد المعمرين سيذكر لك وقائع وصول النصارى كما يذكرون إلى قرية كذا ووادي كذا وكل له هدف معين ، ثم لاحظ كيف أنهم سخروا طاقاتهم وأموالهم في البناء والحكم بل والسياسة قد أسسوا أحزاباً إصلاحية وريدكالية خارج وطنهم هذا على المدى القريب في التاريخ وأنظر ماقبل هذا في صدر الإسلام (راجع موضوعي أعلام حضرموت في الولاية والقضاء )
 
الوقفة الثالثة
[إبداع الجغرافي الألماني فون فيسمان (Dr. von Wissman) وصديقه الهولندي دانيال فان در ميولين في وصف بروم والمكلا عند رؤيتهما للمكان عام 1931م
[كانت رحلتهما للوصول إلى مدينة المكلا قد توجهت من مدينة عدن على متن سفينة تعرف "أيامونت" كانت تسير بسرعة ستة أميال في الساعة. وقطعت المسافة إلى المكلا في أربعين ساعة ،والتي تبلغ 230 ميلا . وفي ظهيرة يوم حار من أيام شهر مايو خلال هذه الرحلة كانوا قد شاهدوا على الساحل "بئر علي" ميناء قنا التاريخي لمملكة حضرموت وبراكينها البنية - السوداء وأمامها كثبان الرمل الفراء - البيضاء كانت تومض في الشمس تحت السماء المبيضة - الزرقاء. ثم مدخل وادي حجر غرب مدينة المكلا , وهو الوادي الوحيد في المنطقة الذي تجري به المياه باستمرار طوال العام وعلى جوانبه أشجار النخيل 0وهنا تطل عليهم بروم مقدمة المكلا وبابها الأول ويقول ثم تظهر بروم بخليجها الذي يحمى من الرياح الموسمية الجنوبية الغربية. وتنحصر المدينة بين جبال لا تترك سوى مساحة صغيرة لبستان من النخيل ومزارع للذرة والذرة الشامية. ثم ظهر قصر أبيض ومسجد بمئذنة وبعض المنازل الحجرية وشاطئ وقوارب صيد, صورة جميلة مثيرة للدهشة في هذه البقعة من الصخور الجرداء والصحراء )وما إن أخذت بروم تتلاشى , حتى بدأ يتضح أمامهم شيء أبيض وخلفه حائط منحدر من الصخر. كان ذلك هو مبتغاهم وهدفهم مدينة المكلا الجميلة تفتح ذراعيها يقول:COLOR="seagreen"]( المكلا جمالها أخاذ وهي البوابة إلى حضرموت الغامضة التي ظلت موصدة أمام الأجانب لفترة طويلة. وتمتد المكلا مثل شريط أبيض على حافة المحيط الأزرق عند سفح جبل مائل شديد الانحدار بصخوره المحمر - البنية . وتصادم أمواج البحر المدينة باستمرار. وتبقى المنازل البيضاء ذات الطوابق المتعددة مستقيمة صامدة. السياج الذي يحيط بسطوح المنازل مشيد من أعمدة ناصعة البياض. والمآذن شكلها مخروط قوي وهو الشكل الذي يتميز به الأسلوب الحضرمي. يقوم قصر السلطان الجديد في أقصى اليسار, وخلفه القصر القديم. ويقف القصر الجديد على صخور سوداء بالقرب من البحر. ولون القصر ضارب إلى الصفرة, وأبوابه ونوافذه من الطوب الأحمر, وشرفاته فاتحة الأخضرار. إننا أمام لوحة تحيطها أشجار جوز الهند والنخيل والمانجو والباباي. وهي لوحة ذات جمال بهيج لا يترك مجالا لناقد. إن التلوين هو الذي صنع ذلك الجمال. وحتى غياب الفن المعماري من المنازل له جماله000 )
ثم ينتقل الرحالة الجغرافي وصديقه من وصف المظهر العام للمدينة وقصر السلطان القعيطي ذو الطابع الهندي إلى وصف الميناء الفرضة القديمة ويقول : (
يقوم الميناء في إحدى جوانب هذا اللسان القصير من الأرض, حيث تمخر السفن الشراعية بجلالها نحو المرفأ. وتظل القوارب الصغيرة والسنابيك في غدو ورواح تنتقل المسافرين والبضائع إلى أعتاب السلالم العريضة التي تقود إلى مبنى الجمارك الشاسع. وترسو السفن على بعد مائة ياردة في البحر. وصلت لتوها سفينة هولندية ضخمة تحمل 150 حضرميا من جاوا. وفي عرض البحر قارب بخاري تملكه شركة منافسة وصل في نفس الوقت الذي ألقت فيه "أيامونت" مراسيها. فأصبح اليوم بالنسبة لمدير الميناء والطبيب يوما مزدحما), لأن القبطان الهولندي يريد أن يبحر قبل الغروب. واهتم الطبيب بأمرنا وأخذ منا الخطاب الذي حملناه من المقيم البريطاني في عدن, ليقدمه للوزير ومعه طلبنا بالسماح لنا بالنزول إلى البر. وبعد ساعات من الانتظار جاء الرد الإيجابي, وأصر الطبيب على مصاحبتنا بنفسه إلى مقر إقامتنا ليتأكد أنه يناسبنا.)
سنتركهما بصحبة مدير الميناء الهندي هو المستر جهان خان, الذي أدخل تحسينات على إدارة الجمارك. وتولى فيما بعد وظائف رفيعة في الدولة. فأصبح السكرتير المالي (أي وزير المالية), ثم وزيراً للسلطنة. أما الطبيب الهندي فقد ذكر المؤلف اسمه في نهاية الكتاب وهو علي عبدالله حكيم.
وإلى لقاء آخر مع وقفة أخرى تقبلوا خالص تحياتي
 الوقفة الرابعة:
 الحياة في السوق ( "البازار ")
وهكذا و اصل الضيفان الأجنبيان اللذان نزلا في مدينة المكلا الساحلية الجميلة وقد أستقرا في مكان إقامتهما يرافقهما الطبيب المكلف بمرافقتهما في هذه الزيارة فأشار عليهما بالنزول في أحد المساكن المهيئة للضيافة قائلاً: "يا حيا بكم" ودخلوا قبيل المغرب من ذلك اليوم من شهر مايو عام 1931م ،وبعد أستراحة قصيرة تناولوا فيها شرب الشاي خرجوا لزيارة السوق الذي يطلق عليه (البازار ) وهي كلمة لها انتساب للغة فارس أو الهند حتى قيل على الفلفل الأسود في حضرموت (بزار ) المهم أنهما خرجا إلى السوق وهنا نتركهما في زيارة السوق التجاري بالمكلا وهما في وصف السوق والبائعين وكذا الحركة في السوق وأنظر للوصف الدقيق لهيئة سكان المدينة والقاطنين فيها من البدو المنتقلين من البوادي في حضرموت ( ذهبنا نتجول في الطريق الرئيسي الذي يجري مثل بحر من البشر على امتداد الساحل من غرب المدينة إلى شرقها. يوجد ممثلون لكل قبائل الداخل, وهم يتجمعون في حلقات في الحوانيت المصطفة. أغلبهم لهم بشرة داكنة, ونصفهم الأعلى عار, وأجسامهم مدهونة بالنيلة). ورؤوسهم عارية أقدامهم حافية ويلبسون فوطة غليظة يلفونها حول وسطهم. وشعرهم المنفوش المرسل الفاحم السواد المعقوص يربطونه بعقدة مستديرة في مؤخرة الرأس. و يعصبونه في مكانه بصفيرة جلدية, أو يلفونه بخرقة خلف الرأس. كان لابد من تسليم بنادقهم وأحزمة الذخيرة على الحارس عند بوابة المدينة مما بعث فيهم شعورا بعدم الاطمئنان. ويلتمع شعرهم المدهون بالسمن. كما يدهنون الجزء الأعلى من جسمهم بالسمن فوق طبقة النيلة, فتنبعث منهم رائحة قوية من خليط السمن مع النيلة.) وأما زيارتهما لسوق الصيد أو الخصار كما هو الغالب على تسميته قال : : (مررنا في طريقنا بسوق السمك وهو مسرح لحركة تجارية نشطة في الأسماك التي يزخر بحرهم بأنواع متعددة منها. ويستمر ذلك النشاط من الصباح حتى المغرب. ويبدو أن سمك القرش أكثر الأسماك انتشاراً, فقد رأينا جوالات من القرش المجفف المملوح وهي معدة لترسل إلى الداخل, حيث يتناول البدو والحضر في أوقات الرفاهية قطعة منه يدعمون بها وجبتهم البائسة المكونة من الخبز والأزر إن رائحة السمك المجفف المتعفن تصاحب المسافر حتى وادي حضرموت ))
كانت طرق المواصلات شاقة ولم يكن أمام الباعة أو الصيادين سوى وسائل حفظ بدائية كالتمليح والتدخين والتجفيف لهذا تجد هذه الرائحة أكثر نفاذاً في الهواء الجاف خاصة في وادي حضرموت البعيدين عن البحر فسمك القرش (اللخم ) أكثر استخداماً له أهل الوادي أكثر من الساحل الذي تتشبع اجواءه برطوبة البحر وتقلل من أنتشار الروائح
الوقفة الخامسة:
السيد المحضار ويقع حكم الدولة القعيطية على كتفية
وبعد أن تجول الزائر في اسواك مدينة المكلا عاصمة السلطنة القعيطية اليافعية في حضرموت ونقل لنا صورة حية لسوقها التجاري (البازار ) هذا المستودع التجاري لحضرموت كما وصفه ،ومروره بسوق السمك ،الذي لا تنفك رائحة السمك المجفف المتعفن (اللخم )تصاحب المسافر حتى وادي حضرموت ،ثم أنه قد تجول أيضاً ببعض دكاكين صباغة الأقمشة بالنيلة ووصفها ووصف أصحابها وصفاً مقززاً قال ( وتفوح من الصباغة رائحة تبعث على الغثيان وتغطى طبقات النيلة أجسام العمال ومنازلهم.)
وقد أختفت هذه الصناعة القديمة بعد إنتشار الصناعةالحديثة في الغزل والنسيج 0
وأستمر يصف السوق وحوانيته التي تبيع أنواع مختلفة من السلع الكمالية والغذائية المصنوعة محلياً وبعضها قادمة من وراء البحار كالأرز, والبن وقشر البن المجفف, والزنجبيل, والشاي من سيلان وجاوا, ومختلف أنواع الحبوب, والسمن, وزيت السمسم , والجاز, والكبريت, وفناجين الشاي وغيرها من السلع التي تحفل بها اسواق ( البندر) مدينة المكلا الضيقة في ذلك الوقت .
والأن سنأتي إلى وقفة أخرى لكنها ترتفع قليلاً عن الشارع لهذه العاصمة التي تدار منها كبرى سلطنات الجنوب في تلك الفترة عام 1931م ،والتي يتربع على عرشها سلاطين القعطة ذوي الأصول اليافعية عسكر أبو طويرق بدر بن عبد الله الكثيري ماذا يقول القنصل الهولندي (دانيال فان در ميولين المقيم في جدة بمملكة آل سعود وتحتل بلده بتافيا (جاكرتا ) بجزيرة جاوا وصديقه الجغرافي الألماني فون فيسمان (Dr. von Wissman)وعمن يدير دفة سياسة هذه الدولة بحنكة وتخضع له سلاطينها وقبائلها وفضله كبير على يافع بعد لقاءه بالوزير المحضار حيث يقول الوزير السيد أبوبكر بن حسين المحضار:قابلنا الوزير صباح اليوم التالي. وكان يتولى تصريف شئون الدولة في غياب السلطان. كان السيد أبو بكر بن حسين المحضار رجلا في ريعان العمر. وهو ذو شخصية حيوية ويقظة في تجانس, ولم تظهر منه أي بادرة امتعاض من النصارى والإفرنج. ويقع حكم الدولة القعيطية على كتفية. وشعبيته مدعومة بتراثه. في المقام الأول بوصفه من السادة ومن سلالة الرسول فهو ينتمي إلى الطبقة التي تقود المجتمع روحيا ودنيوياً. وفي المقام الثاني, كانت عائلة أبو بكر لستة أجيال خلت أكثر العوائل نفوذاً في حضرموت. وفي إحدى ساعات المحنة, استنجدوا بقبيلة يافع المقاتلة ليدعموهم في صراعهم ضد القبائل البدوية. فأرسل سلطان يافع نجدة بقيادة أحد القعيطيين, الذي دحر أعداء عائلة المحضار, ثم انتزع السلطة منهم. وأخذ نفوذ القعيطي ينمو. وفي عام 1874م طلب من الحكومة البريطانية في عدن أن تتدخل لحل النزاع بينه وبين آل كثير الذين رفضوا إعادة المال الذي استلفوه منه. فقامت لسلطات البريطانية بدعم القعيطي, وتمكن من انتزاع مدينتي الشحر والمكلا من الكثيري, لكن احتفظت عائلة المحضار بزاعمتها في المنطققة )
يقول المترجم د 0 محمد سعيد القدال الحقيقة أنه تمكن من انتزاع الشحر بدعم من القبائل اليافعية خاصة آل بن بريك وذلك عام 1868م, دعا آل كساد حكام المكلا عام 1882م.)
ولنا في الوقفة القادمة إن شاء الله تعالى رؤية أخرى حول وصايا السيد الحبيب الوزير حسين بن أبو بكر المحضار لضيوفه الذين ينوون السفر إلى وادي حضرموت وبما أخبرهم به عن الطريق شريطة أن يكونوا تحت حراسة جنود من العبيد التابعين للدولة ثم تأيكده لهم أن لايبتعدوا عن مدينة شبام التابعة للسلطنة القعيطية ،وماهو سبب تحذيره من دخول آراضي السلطنة الكثيرية المجاورة وعلى بعد أمتار من شبام ؟
00


الوقفة السادسة :
بداية الرحلة من المكلا نحو الداخل والهاجس الأمني في الطريق
أنه لايمكن أن يكون الوزير الأول للسلطان القعيطي السيد" حسين أبو بكر المحضار"قد حذر وأوصى ضيوفه( الكولونيل" دانيال فان در ميولين والرحالة الجغرافي"لدكتور. هـ . فون فيسمان) أن لايتجاوزوا مدينة شبام شرقاً اتجاه الأراضي الخاضعة للسلطنة الكثيرية التي تبدأ من قرية الحزم حتى أجزاء من مدينة تريم ،مروراً بحوطة أحمد بن زين (خلع راشد )والغرفة بما فيها عاصمة السلطنة الكثيرية سيئون،ثم أننا لانستطيع أن نربط بين هذا التحذير من الوزير المحضار وذلك الزمان الذي مضى عليه أكثر من ثمانين عاماً إلا بظروف انعدام الأمن و الاستقرار في المنطقة التي تخضع للسلطان ألكثيري بصورة اخص وحضرموت بصورة أعم ، ولهذا قال الوزير لضيوفه الأجانب كما جاء على لسانهم 000ثم أكد علينا ألا نتعدى مدينة شبام نسبة للمخاطر التي تهدد منطقة ألكثيري. وألا نحاول تحت أي ظرف العودة إلى الشحر عن طريق تريم. فالسيد أبو بكر الكاف في تريم هو بلا شك ثري وصاحب نفوذ, لكن لست له سلطة فيها ويحظى بخدمات البدو مقابل المال, ولا يمكنه تقديم حماية مسلحة ضدهم. أما سلطة القعيطي فهي قوية وجنوده من العبيد راية تحتمي بها.)
أما الوضع السياسي والإجتماعي في حضرموت في تلك الفترة (عام 1931م )أبان حكم سلاطين القعيطي وآل كثير قبيل الحرب العالمية الثانية بسنوات قليلة فقط ، كان يتمثل بشكل رئيسي في فقدان الأمن والاستقرار ،وانتشار الجهل و الثأر و الفقر والرق، والمرض والمجاعة التي مات فيها الكثيرين من السكان في وادي حضرموت ،وتشردوا من ديارهم وقراهم وأنتقل البعض منهم إلى المدن الساحلية ، كمانقله بشكل متواترأحفادهم ممن عاصر تلك الفترة وكان شاهداً عليها ، ولاحظه هولاء الزوار لحضرموت ودونوه في كتبهم ،وكانت هذه أيضا هي الفترة التي شهدت اقتتال قبيلة الحموم مع السلطات القعيطية في حروب طويلة في جزء من المنطقة الساحلية التي تقع تحت نفوذ السلطان القعيطي ويقطنها الحموم ؛ ولقد كانوا أي- الحموم - من القبائل الحضرمية الكبيرة ومن أشدها معارضة لنظام القعيطي في تلك الفترة0
ويتابع المؤلف وصف رحلته من مدينة المكلا في ظل هذه الأجواء، بعد أن بدأ ينفذ مارسمه له الوزير المحضار فهو يقول : ( أرسل لنا الوزير في اليوم التالي حافلة بسائقين وأربعة جنود. كان علينا أن نسافر في ذلك اليوم إلى شحير فقط. (وشحير تصغير شحر) وبعد الظهر سارت بنا العربة عبر بوابة المدينة – يقصد هنا مدينة المكلا كانت لها سدة أو بوابة - المنيعة التحصين وعليها الحراس ) ويتابع وصفه للطريق الشاقة وقوافل من الجمال تسلكها في طريقها إلى الوديان والداخل وكذا محطات الجمال والبدو الذين يسوقون هذه الجمال ويعلفونها ويسجل كل ماوقعت عليه عينيه وهو في طريقه للوادي عبر شحير ويقول 000. وهناك بعض الحمير التي ينام بينها البدو وهم يتغطون بفوطهم أو يجلسون حول موقد للنار يأكلون من أوان خشبية ثريدا من الخبز المفتت مع قليل من الدهن. والبعض الآخر منهمك في مهمة تحميل الجمال وهي مهمة شاقة.) وقد لاحظ الرجل كيف أن الأطفال يقومون بجمع روث الجمال في زنابيل, وعرف من هذا أن له قيمة كبرى إذ يستعمل في الوقود. ويتضح انه خالطهمٍٍٍِ[ أي البدو ] في هذه المحطات قال (000 وتموج الأرض بقمل الجمال, وهو في الواقع نوع من القراد، وتنتشر رائحة بول الجمال النفاذة مع العرق فوق هذا الانتشار الواسع )
وظل الهاجس الأمني للزائرين أكثر اهتماما لهما قال: (وعلى الطريق قلعتان محصنتان بالجنود. وبعد البقيرين بمسافة قصيرة تنتصب صخرة طلاؤها أبيض. ووضعت على الجدار الصخري على جانبي الطريق علامتان توضحان, حتى في تلك المنطقة الجبلية, متى تكون البلاد في حالة سلم وحالة حرب. ولا يسمح بأخذ الثأر أو تسوية ضغائن قديمة في المدينة أو حولها.وعلى بعد مسافة قريبة من حدود تلك العلامات, أقام عشرون بدويا معسكرا مؤقتا تحت صخرة معلقة. وعلى قمة الصخرة في الجانب الآخر من الطريق يقف الحراس باحثين عن أي قافلة تمر على الطريق العام. وقد عادت إحدى القوافل سالمة إلى المكلا بعد أن أدت مهمة تتعلق بالأخذ بالثأر. وأدركنا لاحقاً أن وجودنا لابد أن يكون السبب في إطلاق سراحها.)
وحتى الآن لم يبتعدوا كثيراً عن مدينة المكلا عاصمة السلطنة القعيطية ، بل ما هما إلا في تخومها فقط وتلك كانت جزءمن هذه الظروف التي كان قد عاشها الحضارم في طريقهم لبناء مجتمع حضري متقدم عما جاوره من مناطق اليمن والخليج المجاورين ،ولاشك أننا قد قطعنا شوطاً كبيراً في بناء مجتمع مدني متحضر يسوده الإستقرار والسكينة فتباً لمن عكر صفو مجتمعنا في حضرموت وأراد شده لمثل هذه الظروف 000 و لم يكن السير نحو التنوير والتعليم والثقافة والعمل أليه بالأمر اليسير، حديثنا ووقفاتنا لم تكتمل بعد 0 
 

أول لقاء مع قبيلة بدوية حضرمية

كانت تلك علامة واضحة لأغلب الزوار من الباحثين والسائحين والمغامرين الأوربيين على اهتمامهم باكتشاف المجتمع الحضرمي من الداخل ،وأنتقل ( الكولونيل" دانيال فان در ميولين والرحالة الجغرافي"لدكتور. هـ . فون فيسمان)إلى اللقاء بمكونات المجتمع الحضرمي المختلفة ،وهنا أثار منظر ذلك السهل الشاسع في أحد المنخفضات التي تقع بين الجبال على الطريق المؤدي إلى مدينة الشحر و تنمو في تربته الطينية الأعشاب. وترعى فيه الأغنام والخراف والحمير والجمال منتشرة بعيدا عن بعضها البعض. وتجلس الرواعي " البدويات " فوق قمة تراقب رعي هذه الحيوانات حيث المرعى ، وعلى مسافة غير بعيدة من المقر الرئيسي للبدو الرحل في هذه الأماكن أو تجمعهم في هذه المنطقة التي تعرف بريدة الشحر [والريدة مكان هضبي مرتفع عن مستوى سطح البحر بمئات الأمتار مستو يتخذه البدو مكان لأستقرارهم فوق هضاب حضرموت سواء كان في شمال حضرموت أو جنوبها ] وقد لاحظ مكان تجمعهم أي البدو في ريدة الشحر على يمين الطريق المؤدية إلى الشحر قال: (000. فاتجهنا نحوهم نحمل آلات التصوير ونحن نتوجس خيفة. ولم يلحظونا, كما أن كلاب الحراسة الشرسة التي تنتشر في الجزيرة العربية والتي تجعل المرور بمعسكر للبدو أمرا مستحيلا لا وجود لها هنا, وغيابها هذا كان لافا للنظر ) ولم تكن للبدو في هذ ه الهضبة من حضرموت كلاباً للحراسة وبيوتاً من الشعر والخيام كبدو الصحراء الذين سبق للزائر رؤيتها في أماكن أخرى من صحراء نجد أو الدهناء أو النفود قال : (ويبدو أن البدو في حضرموت ليس لهم خيام, إنما يسكنون في كهوف أو منازل أو كواخ, أو يعيشون كما في هذه الحالة بلا مأوى. فيشيدون كوخا على مساحة خمسة أقدام, حيث ينصبون أربعة أعمدة طولها حوالي ثلاثة أقدام ويعرشونها بأعمدة أخرى يغطونها بحشائش جافة طويلة. لا يمنع هذا الكوخ الشمس كثيرا. توجد منها هنا عشرة أكواخ متناثرة. بعضها أكثر بدائية, عبارة عن أعشاب مغطاة بخرق بالية وليس بها غلا بعض الظل)
ويروي الكولنيل دانيال وصديقه فوسمان أنه ذهب أليهم وهو يحمل كاميرا للتصوير فكانت ردود أفعالهم عند اللقاء إ ثار بعض الصخب,
لكنهم لم يتضايقوا أو ينفروا من رؤية هولاء النصارى الحمر بينهم بل أبدوا تفهماً وترحيباً بهم واستعدادا للرد على أسئلتهم بفطرتهم البدوية السخية المتسامحة ولم يفتهم ملاحظة النساء والأطفال الذين كانوا قد تجمعوا حين وصولهم لإشباع فضولهم قال 000وأجابوا على أسئلتنا بشيء من الفضول. وجلس النسوة والأطفال وبعض الشيوخ العجزة تحت ظل الأكواخ البائسة. ويرقد الأطفال في مهد مصنوع بطريقة عملية . ويبدون في داخله مثل المحار الذي له أرجل. حيث يرقد الطفل في الجزء الأسفل بينما يحميه الانحدار الأعلى من الشمس والريح, وتحمل الأم هذا المهد في ترحالها وتجعل الجانب المفتوح في واجهتها. ويرقد الطفل فوق زعف منسوج أو جلد. وفي حالة الجلد يوضع فيه ثقب بعرض بوصة لخروج الفضلات. )
وقد أثار أنتباههم توجس الأمهات كثيرا من العين الشريرة قال : ( فكان علينا ألا نبدى اهتماما' ملفتا بأطفالهن )
ومن اجل كسر الحاجز النفسي والدخول بشكل مباشر معهم ،وكسبهم بشكل مادي وعاطفي قال وزعنا بعض قطع النقود على الأطفال والشيوخ, وبعدما تبادلنا معهم الحديث أخذ توجس الآخرين يتلاشى. ورأت إحدى النساء ضرسا ذهبيا في فم أحدنا, فكان علينا أن نسلم أفواهنا لكشف دقيق. وانفجرت صيحات الضحك وتبعها مرح طاغ.
ثم أخذوا يكتشفون العديد من الأشياء الغريبة عن الأفرنج. فبعد أن فحصت المرأة التي في المقدمة أفواهنا, ذهبت أبعد من ذلك. أخذت تفك بأصابعها القوية الداكنة الجزء الأعلى من كم ذارعي. كانوا كلهم ينظرون في ترقب. واندهشوا عندما وجدوا أن الجزء المغطى من بشرتي أيضاً أبيض. وانفجر الجميع بالضحك, وتواصلت عملية الفحص. ثم انتزعت المرأة قميصي من البنطلون, وعندما ظهرت بطني أيضا بيضاء, انفجرت صيحة طويلة: "آله" تعبيرا عن ذهولهم. واستمرت اليد الداكنة تمسح بإعجاب ذلك الجزء من جسدي.)

كان هذا ما أراد المؤلف أن يصوره عن مجتمع البدو وعن قساوة الطبيعة والمعيشة التي جعلت من النساء يثيرهن لون بشرته البيضاء التي تبدو لهن ملفته للنظر وتثير الدهشة والاستغراب فأخذن يتحسسن بشرته بأيديهن الداكنة الخشنة كما قال بل ذهب لأكثر من ذلك وقال وعندما أرادت المرأة أن تواصل فحصها لجسدي, أكدت لها أنه كله من نفس اللون. فقالت: "هل فعلتم هذا بالصابون"؟. فقد سمعوا أن الإفرنج معتادون على غسل أجسادهم بالصابون. فقلت لها "لا إن الله خلقنا هكذا". فقالت: "لا شك أنكم تعيشون في منازل ولذلك فإن الشمس لا تحيل أجسامكن داكنة كما تفعل بنا, ولا شك أنكم تعيشون على اللبن". فقلت لها: "لا , إننا نأكل نفس الأشياء التي تأكلونها". فقالت: "ابقوا معنا وسوف نرقص ونصفق لكم الليلة". وأخذت سائلتنا المرحة ترقص وتصفق, فكان ذلك مصدر تسلية كبرى للنساء الأخريات. فقلت لها: "يسعدنا جدا أن نبقى, لكن ليس لدينا وقت, فعلينا أن نمضي بعيداً. "فقالت" لا , ابق هنا, وسوف نعطيك زوجة". فلم أتمالك من فحص النساء غير الجميلات اللائي أحطن بي. وقرأت المرأة أفكاري. فقالت: "لا, الفتيات الجميلات في المرعى وسوف يعدن بعد المغيب".)
وعندما ظهرت له اثناء هذا الاجتماع بالنسوة الوقوف على تفاصيل دقيقة من مجتمع النساء البدوي قال : (000رغم ما في حياة المرأة البدوية من بؤس وبدائية, إلا أنها تبذل جهداً كبيرا لتبدو جميلة.) ولم يزد الكولونيل" دانيال فان در ميولين في شرحه بعد هذه المقابلة بنساء البدو إلا أن قال :( 000 أما بالنسبة لذوقنا فإن النتيجة في الغالب قبيحة, إن لم تكن مفزعة.)
سنواصل معه الرحلة حتى نقف على الكثير من المحطات التي يفرق بيننا وبينها أكثر من واحد وثمانون عاماً حين كانت البداوة تمثل جزء كبيراً لايستهان به من مجتمع حضرموت قبل أن يتم استقرارهم وتوطين الكثير منهم ودخول التعليم والحياة المدنية أليهم وفوق هذا وذاك تعلمهم الكثير من الشعائر الدينية التي كانت تغيب عنهم 0
 

شحير ومدينة يفوح منها رائحة التمباك



لازلنا نسير في ركب (الكولونيل" دانيال فان در ميولين والرحالة الجغرافي"لدكتور. هـ . فون فيسمان) في الوقفة السابقة المتوجه إلى وادي حضرموت عبر خط الطريق القديم مروراً بشحير والشحر إلى الشرق من مدينة المكلا عاصمة السلطنة القعيطية في عام 1931م ،وتقع شحير قريباً من ساحل البحر العربي , وتبعد عن مدينة غيل باوزير بنحو 9 كيلومتر فقط .
كتب" الكولونيل" دانيال فان در ميولين" وهو يصف رحلته (تقع قرية شحير على الجانب الأبعد من الساحل, يقال إن سكانها 1500 [ لاشك أن هذا العدد قد تضاعف كثيراً في وقتنا الحالي ] يعيشون في أكواخ من الطين. وينتصب منزل الشيخ [ يقصد الشيخ الوالي أو الحاكم على هذه المنطقة يعرف "الماس "وهو من 

حاشية السلطان القعيطي الذي كان يحكم المكلا] في مكان بارز, والمنزل هو أيضا الحصن الذي يدافع عن المدينة ضد الهجمات. وفي المصطبة [ يقصد الدكة ] مدفعان صدئان. توجد في الجدران السميكة فتحات في كل طابق, والنوافذ صغيرة. مضيفنا هو "الشيخ الماس", الذي استقبلنا بحفاوة في مجلسه. وبناء على رغبتنا أمر بإعداد مكان لنا فوق السطح, لكن كان علينا أن ننتظر حتى يتم إبعاد النساء عن طريقنا. فقام مضيفنا بالتأكد من أن النساء اختفين خلف الأبواب المغلقة قبل أن يسمح لنا بمصاحبته إلى أعلى000)وفور الإنتهاء من أستقبال الضيوف وتقديم الشاي لهم مع بعض الفواكه البطيخ والتين الطازج والمر والحلو تعرف الزائر على مضيفه الشيخ "الماس " الذي كان ينتمي إلى أسرة السلطان, ووصفه الزائر بقوله : (وبه لمسات من دم هندي) ويمكن الرد على هذا أنه من تأثير الهجرة إلى الهند ولعلاقته الأسرية بمؤسس السلطنة القعيطية عمر بن عوض القعيطي الذي كان أحد الأثرياء في حيدر أباد بالهند 0
وقد كان في المنزل في نفس الوقت العامل أو الحاكم الذي يتولى أمر السلطنة في منطقة غيل باوزير وهو بالمناسبة أخو الشيخ "الماس "وقد طلب منهم زيارة غيل باوزير وحفزهم للزيارة بأن ذكر لهم مزارع التمباك الشهيرة التي يملكها هناك وتعد المنطقة من أفضل روائع الجزيرة العربية قال وألح علينا أن نزور غيل باوزير أغنى وأغنى وأجمل بقعة في الجزيرة العربية،ووعدناه أن نعبر على الغيل في رحلة العودة.)لكنهم لم يزورها إلا بعد عودتهم من تريم ووصولهم المكلا رجعوا مرة أخرى لزيارة الغيل 0
لم يكن في حسبان (الكولونيل" دانيال فان در ميولين والرحالة الجغرافي"لدكتور. هـ . فون فيسمان) أنهما على موعد زفاف لأحد الأهالي في نفس الليلة التي وصلوا فيه "شحير " ليستمتعا ويشاهدا الرقص الفرائحي للزفاف في تلك الليلة في "شحير "جنوب مدينة المكلا قال مكنتنا من موقعنا المتميز فوق السطح [ يقصد هنا الريم كعادة أهل وادي حضرموت يصعدونه للمبيت في ليالي الصيف الحارة ] أن نشاهد الاحتفال. ثم أضيئت مصابيح الغاز [ التريكات ], وبدأ بعد ذلك الرقص في الساحة, فوقف الرجال والنساء قبالة بعضهم البعض في صفوف طويلة, ثم أخذوا يقتربون ويبتعدون عن بعضهم مع إيقاع أرجلهم وتصفيق أيديهم. ويشاركون كلهم في غناه رتيب متواصل, يكررونه باستمرار بنفس اللحن. [ ولعله المريكوز المشهور في بعض مناطق حضرموت كالبوادي ،ويستبعد أن يكون الشرح بالمزمار المعروف بالظاهري الذي يعتمد الرقص فيه على الزفانة أو المشترحة التي تلاحق الرجل المشترح بصدرها وهو ممسك بيدها ويجذبها نحوه كما هو متعارف عليه في هذا الشرح ] أما كلمات الأغنية الفعلية فيقوم بإلقائها شخص واحد. كلهم يحفظون الأغاني القديمة ويجدون متعة في تكرار مقاطع منها ويجدون أيضا حماسة متزايدة من ذلك التكرار) هذا نوع من عدة أنواع من الشروحات الحضرمية من الملاحظ أن الهجرة إلى الهند وشرق أفريقيا لعبت دوراً في نقل بعضاً من أهازيج وطبول وأغاني من هذه البلدان و نقلها المهاجرون الحضارمة إلى بلدانهم 0
وقد أستمر الحفل إلى ساعات متأخرة من الليل قريباً من الفجر حيث قال :(000 ويتساقط العرق على صدور الرجال المكشوفة, لكنهم لم يرهقوا إلا قبيل الفجر، عندها هدأ صخب الاحتفال.أيقظنا السائق قبل أن يحل الضياء بأصوات بوق سياره أمام القلعة. فهو يعلم أن علينا أن نسافر إلى الشحر ونعود عن طريق الساحل قبل ارتفاع المد.)
وقبل أن نواصل السير معهم إلى الشحر وصولاً إلى وادي حضرموت نود أن نقف حول زيارتهما إلى مدينة غيل باوزير مادمنا قريبين منها بالرغم من أن زيارتها كانت بعد العودة من تريم حسب ماجاء في الكتاب0
رحلة غيل باوزير:
أستقلوا سيارة خاصة وضعها الوزير السيد أبوبكر المحضار تحت تصرفهم كما فعل من قبل. وكان ذلك في الرابع والعشرين من شهر يوليومن عام 1931م. وقد أطلق الزائر على غيل باوزير أسم (مدينة التمباك) ووصفها أيضاً بالمدينة التي تفوح منها رائحة التمباك وذكر بعض مشاهداته فيها من مزارع التمباك (التبغ ) التي يجني منها السلطان القعيطي دخلاً كبيراً ويصدر التمباك إلى الخارج لدول عربية كمصر وسوريا وبلدان أخرى وتقوم عربات النقل بنقل أكياس التمباك, البالغ طولها 200 ياردة, من الغيل إلى المكلا وذكر أنه يجلب لها السماد من المكلا وأماكن أخرى كالجزر في عرض البحر.وقال أن غيل باوزير ليس بها مظاهر من الجمال الطبيعي الملفت للنظر لكنه استثناء من هذا القصر السلطاني حيث قال000 ليس في مدينة غيل باوزير مظاهر جمال ما عدا القصر الكبير العتيق وبعض المساجد ) ويسمى هذا القصر باغ السلطان. وهو صورة مصغرة من تاج محل الشهير في البناء الهندسي الشرقي. وأصبح بعد الاستقلال الوطني للجنوب عام 1967م بيتا للضيافة ومنتجعا عاما. وتدهور كثيرا بعد عام 1995م ولم يعد صالحا للاستعمال كما جاء في هامش الصفحة من المترجم .
ومن الجدير ذكره أن غيل باوزير: تقع إلى الشمال الشرقي من مدينة المكلا وتبعد عنها نحو (43 كيلومتر)، وهو أرض زراعية واسعة فيها ينابيع ماء غزيرة جارية عليها كثيراً من أشجار النخيل وأكثر ما يزرع عليها التبغ - ويعرف هناك بالتنباك - وهو من أجود لأنواع المشهورة في حضرموت .
ومن الملاحظ أن الجودة تعود لعدد من العوامل المساعدة في زراعته في هذه المنطقة وقد توفرت لها المتطلبات الملائمة للزراعة من ذلك التربة المناسبة وتوفر المياه والتسميد بثلاثة أنواع من السماد حتى أنه أصبح عالي الجودة وقد نقل الزائر معلومات مفيده من غيل باوزير حيث قال: (يوضع السماد [ روث أو مخلفات الحيوان والإنسان والطيور ] للتمباك ثلاث مرات: الأولى بفضلات الطيور "الغوينو, والثانية بالسمك [السمك هنا يقصدالمجفف فهو سمك العيد الصغير, وبعد أن يجفف يسمى وزيف، ويجفف على مساحات واسعة عند ساحل البحر.], والثالثة بروث البهائم وفضلات الإنسان. ويروى بماء صاف وبكمية معلومة. ويوضع كل نوع من السماد في الزمن الصحيح. وتأتي أفضل أنواع الغوينو من جزيرة على الساحل الصومالي تمتلك السلطات البريطانية امتيازا فيها. ويوجد نوع آخر من الغوينو في جزيرة في بئر علي غرب المكلا )وهكذا تنتهي زيارتهما لغيل باوزير على أن نستأنف الوقفات لاحقا من الشحر سعاد الزبينة0.)

الشحر في عام 1931م رائحة الأسماك المجففة أقوى من رائحة المجارى.


لم يكن الشحر إلا وادي من الوديان الجافة التي كان يجري فيها في غابر الأزمان مياه السيول التي تنحدر نحو البحر، ثم جاءت الكلمة (الشحر ) لتطلق على المنطقة الساحلية الواقعة ما بين عمان و أبين في تاريخ مملكة حضرموت ، وفي مراحل تاريخية أخرى قبل الإسلام ايضا قيل لها( السوق) لكونها منفذا تجاريا لصادرات اللبان التي كانت تأتى به القوافل من ظفار إلى شبام ثم إلى (السوق) حيث يصدر منها إلى الخارج , وهي ايضاً كما في تاريخ (العرب قبل الإسلام ) أحد أسواق العرب القديمة في الجزيرة العربية يعرف يسوق الشحر , كما كانت واسطة للتبادل التجاري ما بين الهند و الخليج العربي و مصر و شرق أفريقيا من جهة وبين حضرموت من جهة أخرى0
مجد وأرث حضاري وتاريخي لمدينة الشحر التي تعاقبت عليها عصور وأحداث جسام لسنا بصدد الحديث عنها ،بقى أن نقول أن الشحر إذا ذكر أسمها ، تذكر معها الملحمة البطولية التي سطرها مواطنيها الأبطالوعلماءها الأجلاء ؛ ففي عام929هـ حين هاجم البرتغاليون المدينة و تصدى لهم المواطنون، و دار قتال شديد في الشوارع , وأنتصر وا وأستشهد الشهداء السبعة على ترابها 0
و منذ منتصف القرن الثاني عشر الهجري أصبحت حضرموت في يد عشائر يافع الذين كونوا لهم سلطنات وإمارات متعددة في مدن و قرى حضرموت حين أنكسر موج آل كثير أمامهم , وكانت الشحر من نصيب أل بريك الذين عقدوا تحالفات مع قبيلة الحموم و غيرها من القبائل التي تعيش في المنطقة المحيطة بالشحر . إلا أن أل كثير استعادوا السيطرة على مدن تريم وسيئون وشبام من أيدي اليافعيين ، ثم هاجموا الشحر سنة 1282 هـ و احتلوها و طردوا منها أل بريك . ثم قام السلطان عوض بن عمر القعيطي الذي قدم لتوه من الهند في العام نفسه بطرد أل كثير من الشحر و استولى عليها وجعلها نقطة انطلاق لاحتلال أراضي أخرى .
وحين وصل أليها ( الكولونيل" دانيال فان در ميولين والرحالة الجغرافي"لدكتور. هـ . فون فيسمان) في صيف عام 1931م فإنه بدأ زيارته للمدينة من القاء نظره على ساحلها ،وسورها الذي قيل أنه شيد في عهد آل بن بريك ليحمى المدينة من الهجمات المباغتة من قبل آل كثير والقبائل المتحالفة معهم ،وحين نظر لسوقها وشوارعها بدأ وكأنه ممتعضا بعض الشيء ولعله من سوء الحال الذي بدأ عليه مظهر وحال المدينة التي سبقت سمعتها أليه في اوربا فهو يقول تقع الشحر على ساحل مسطح متدرج الانحدار, حتى أن السفن لا تجد لها مرفأ إلا بعيدا في البحر. ورأينا في تلك اللحظة عددا من السنابيك والبحارة الذين يمارسون تجارتهم إلى ما بعد الغسق بوقت بعيد. يجري الممر من الساحل عبر رمال كثيفة إلى البوابة, التي تفتقد الآن أي ذوق معماري. أما السور فهو أيضا جديد وجانبه الداخلي مقوى بأعمدة من الطوب المصنوع من الطين. ويبدو أن السور أكبر من حجم المدينة, لذلك نصفها ميت وآخذ في التداعى خلف الجدران، العديد من المنازل غير مأهولة, وتهدم بعضها. عبرنا ساحة شاسعة في طريقنا من شرق المدينة إلى غربها. الشوارع قذرة, حتى المنازل المأهولة يبدو عليها الإهمال. )
وحاول الزائر أن يتوغل في أزقة وشوارع المدينة لكن رائحة السمك المجفف الذي يغطي سواحلها ولا يجد وسيلة حديثة لحفظه أو الأنتفاع به ،تجعل رائحته تضائق الزائرين ضيوف الحكومة القعيطية قال وتحلق فوق المدينة رائحة الأسماك المجففة المتعفنة, إنها رائحة أقوى حتى من رائحة المجارى.)ويبدو أن النظافة لم تكن من أوليات سلطات المدينة التي تقع المباني الحكومية لها في الجزء الغربي من المدينة.وأما القلعة التي تواجه أي غزو من جهة البحر تسمى حصن القعيطي وقد بناها في مكان حصن بن عياش على لطراز الهندي فهي تقف بجانب البحر على تل رملي شاخ, تمت حديثا صيانة المبنى, وتعطي خطوطه البسيطة القوية انطباعا جميلاً. وفي طابقه الأرضي مدرسة مؤقتة تضم بين 300 إلى 400 طالبا000 )وحين وصل الزائر مبنى الحكومة,الذي تقف أمامه ساحة نصبت عليها مدافع ضخمة عتيقة وبجانبها سارية تقف وحيدة أخذ يصفه ويقول : (000 مبنى ضخم مستطيل جيد البناء, وشيدت على السطوح شرفات لتناسب طقس الشحر الحار الرطب.) لكن حاكم المدينة لم يكن بالمنزل في ذلك الوقت ولعله كان في نزهة على ساحل البحر قال (000 فقد التقينا به على الساحل في عربته الأمريكية الجميلة. ملامحه هندية, ويبدو أنه متمدن لحد كبير بالنسبة لمدينته شبه المعزولة عن العالم الخارجي التي ما زالت تحلم بأمجادها الغابرة. كانت الشحر بحق في وقت من الأوقات أكبر من المكلا, بل كانت مركزا تجاريا هاما حتى قبل ظهور المكلا)0
وفي الوقت الذي كان الزائر يتجول في المدينة قد لاحظ خارج السور المقابر والقباب المشيدة على بعضها ، لفت نظره مبنى جميل قد شيده الثري السيد أبو بكر الكاف كداراً للضيافة قال 000 ويمتلك بالقرب منها [أي المقابر ]السيد أبو بكر الكاف, رجل تريم, قطعة أرض أقام عليها قصر ضيافة فخم لأقاربه وأصدقائه القادمين من جاوا إلى تريم أو عائدين منها عن طريق الشحر.)
وخلال هذه الزيارة أيضا كاد مشروع السيد أبو بكر الكاف لربط مدينة تريم بالشحر أن يكتمل ما عدا مسافة قصيرة من الساحل عبارة عن مسيرة ثلاثة أيام بالجمال لولا الفوضى القبلية التي تعترض طريق تقدم النقل والمواصلات في حضرموت كما أفادنا بذلك الزائر قال : ( فإذا اكتمل هذا الطريق, بالرغم من معارضة قبيلة الحموم المقاتلة التي يمر الطريق بأغلب منطقتها, فربما استطاعت الشحر أن تنمو وتملأ الجدران التي تحيطها.)وتحت ضغوط قبلية توقف هذا الطريق أكثر من مرة ، وكان قد بدأ العمل فيه من جهة تريم عام 1927م . ولأن حضرموت تجتاحها الفوضى وعدم الأستقرار ،وضعف حكومات السلطنتين الكثيرية والقعيطية ،فلم يستطيعا إقامة طرق معبدة ولاهما قادرتين على تأمين الطريق حتى أن السيد أبو بكر بن شيخ الكاف عقد مجموعة اتفاقات مع القبائل المار الطريق في أراضيهما، وأخذ منها عهودا بأن لا تتعرض للسيارات المارة في حدودها القبلية المعروفة ،وفي المقابل تعهد أبو بكر الكاف بتعويضهم بمبالغ مالية0
وكان آخر عهد الضيوف بالمدينة قبل مغادرتها أن قاموا بزيارة أخرى للمدينة ،وأخرى لنائب الحاكم بتسنيق من موظف هندي يعمل بالمدينةقال 000ساعدنا في تلك الزيارة مفتش الضرائب وهو هندي على قدر رفيع من التعليم. كان استقبال نائب الحاكم حارا ووديا. فسرنا عبر مجموعة من الحراس الأشداء إلى مجلس على الطريقة العريقة, حيث النوافذ والشبابيك والأعمدة الخشبية مزينة بنقوش, والسقف مطلي بالأبيض والأحمر والأسود. وشاركنا بلذة في شرب الشاي مع كميات متنوعة من الحلوى والفواكه الطازجة والمعلبة.)ثم غادروها وهم يعتقدون أن سكانها هو لا يتعدى 6000 نسمة ،خلافاً للتقارير الرسمية التي تقول أن سكانها هم 9000 نسمة قال وبما أن الغربيين لا يدركون مدى ازدحام المنازل العربية الكبيرة بالسكان, فيبقى تقديرنا غير مؤكد، وبالمدينة 36 مسجدا.)
الوقفة السابعة:
الرحلة إلى دوعن و "الموتر "قائداً للرحلة والسيد علوي يدبر أمر الحمير !
وأخيراً تقرر سفر القافلة من المكلا إلى دوعن وبعد أن قاموا بكل الترتيبات. فكان على ( الكولونيل" دانيال فان در ميولين والرحالة الجغرافي"لدكتور. هـ . فون فيسمان) أن يدفعوا مائة وستين روبية لأصحاب الجمال التي ستحمل أمتعتهم ، وحمارين قد تكفل السيد علوي بإدارة شؤنهما ،ومرتب اثنين من الجنود العبيد الذين سيتولون حراستهما . وقد رافقهما اثنا عشر بدويا من قبيلة سيبان. ومعهم جمالهم المحملة بالبضائع, لكنهم سيأكلون من المؤن الوافرة التي أحضرها قائد القافلة من الطعام وغيره الذي للرحلة من المكلا إلى دعون التي تستغرق ستة أيام. أما السيارة فتكون مهمتها فقط نقل الأجنبيان الكولونيل" دانيال فان در ميولين والرحالة الجغرافي"الدكتور. هـ . فون فيسمان والسيد علوي وخادمه وطباخا يتولى أمر الطباخة 0
بقى أن نعرف من هو قائد الرحلة الذي أوكلت له المهمة ويحظى بثقة الوزير المحضار الكاملة في عاصمة الدولة القعيطية بالمكلا،وقد تعهد أنه سيحملهما إلى دوعن حتى يوصلهما إلى حاكمها "باصرة 0 "ذاك هو سائق العربة الحكومية الصغيرة الذي يلقبونه "موتور" أي السيارة قال عنه الزائر: ( وهو لقب حديث استحقه بجدارة لأنه كان يقطع المسافة من دوعن إلى المكلا في يومين وليلتين عندما كان يحمل الرسائل الحكومية العاجلة.) ووصفه عند ما شاهده قال كان (موتور) صغير الحجم, وشعره المموج المدهون الأسود معقوص بضفيرة جلدية رقيقة حول رأسه، ويعلق على رقبته سلسلة يتدلى منها خاتم فضي يتوسطه حجر بني مستدير في حجم ظفر الإبهام. ويلف حول خاصرته قماشا داكن الزرقة وضع فيه غمد سكنية (يسمونها جمبية) , و هذا كل لبسه) المتواضع الجميل بدوي حضرمي من الطراز القديم،في هيئته وفطرته ، واكب التطور من الجمل إلى السيارة 0
غير أن السيد علوي العطاس أحد أهم اركان الرحلة والذي تربطه علاقة قرابة بالوزير المحضار لا يرتاح كثيراً ولا يطمئن حاله من البدو المرافقين للقافلة وهكذا كان موقف الطباخ صالح ،ولهذا قال القنصل دانيال معلقاً : (000 وما فتئ رفيقنا السيد علوي يؤجج نيران غضبنا وضقنا بترداده المستمر وعلى وجهه مسحة غموض قائلاً: "هؤلاء البدو أيها القنصل أناس رديئون , رديئون, رديئون جداً")
وحتى الان لاتزال القافلة في طريقها متجهة نحو دوعن فكانت أولى محطاتهم التي وصولها بعد ساعات من سيرهم قرية "لصب" الصغيرة. وبالقرب منها يخرج جدول صغير ينساب منه الماء إلى مزارع الذرة في القرى, لكنه لا يمكث طويلاً، ويزرع الموز والباباي هناك على حافة الحقول. أما سكان تلك القرى فلا يظهروا للقادمين غير أنهم ينظرون من فتحات صغيرة كالنوافذ في مساكنهم المبنية كالحصون العالية و ترتفع في واجهة الجبال0
لقد غادروا قرية اللصب وبدوا ينحدرون نحو الوادي ثم يعودون للصعود فقد كانت الطرق تمر بشقوق طولية وعرضية بين الجبال يشعر الراكب أنه يهبط ويصعد أحيانا لكنه يسير في أتجاه وادي دوعن وهذا ماوصفه الكولنيل دانيال قال : (000. سرنا في اتجاه الشمال الشرقي والشمس متوهجة أمامنا على زاوية مائلة, كنا في حالة صعود مستمر على امتداد الطريق.) ويضيف أيضا وعبرنا عند "العضوضة" على بئر ماء كبيرة, وشاهدنا "زيمان الكبرى" على يميننا قريبة من منحدر الجبل. وتنمو بين مزارع التمباك الشاسعة أشجار النخيل وجوز الهند والباباي والموز.)
كما شاهدوا عدة قرى منها "زيمان الصغرى "ومما لفت نظرهم تلك البنايات البيضاء المطلية بالنورة والتي تبدوا كعلاملات بارزة على الطريق منها يروي العطشان لهيب ظمأه قال : (000عرفنا هنا للمرة الأولى على تلك المؤسسات التي أقامها التقاة لحماية المسافرين من الظمأ, وهي "السقاية. ) والسقاية عبارة عن بناء صغير مساحته عموما خمسة أقدام مربعة وارتفاعه ستة أقدام, وسقفه في شكل قبة, ومبني من الحجر الطبيعي أو من الطين ومطلي بالجير الأبيض. وعلى جوانب جدران السقاية فتحات مربعة أو مثلثة على ارتفاع خمسة أقدام من الأرض, ومن خلالها يغرف الإنسان الماء من حوض عمقه ست بوصات مشيد على ذلك الارتفاع من السقاية. ويملأ الحوض يوميا بواسطة شخص يحصل على أجر من الوقف المخصص لهذا الغرض. وتوجد قرعة نارجيلة أو علبة صدئة أو كوب خشبي في إحدى فتحات السقاية, تستعمل للشرب.
ويطرح الكولنيل ملاحظته حول عادة لفتت نظره من وحي مشاهدته لشرائح اجتماعية مختلفة في المستوى الاقتصادي والجاه المعنوي تعامل معها في حضرموت أوحت له "السقاية "وطريقة الشرب منها حين قال وعلى المرء أن يألف سريعا العادة المتأصلة في هذه البلاد وهي شرب مجموعة من الناس من نفس الإناء تباعا، وحتى بين الأثرياء والسلاطين, فإن أكواب الشرب الخزفية الضخمة تنتقل من ضيف إلى آخر، ويشرب منها الجنود والعبيد أيضاً) وكان يحاول أن يبدي امتعاضه ايضا من شرب الماء من السقايات لكنه استطرد قائلاً ( وماء السقايات أغلبه متسخ , وبه خليط من الروائح والمذاقات،لكن الظمأ يعلم الإنسان التغاضى عنها, وبمرور الزمن يتلاشى التمنع.)
ولفترة زمنية قصيرة توقفت القافلة في قرية "زيمان الصغرى" تزودوا بمزيد من الحليب واللبن الخمير، الرائب [ الروبة ] وبعضاً من الفااكهة كاليمون وجوز الهند والموز, ثم واصل الجميع سيرهم بأتجاه قرية"الغيضة "أوالغياضة وسط مزارع تمباك مزدهرة ومحاطة ببساتين نخيل صغيرة. و كان عمدة قرية "الغيضة" من أقارب علوي العطاس المرافقف لهم بالرحلة , لذلك قال الكولنيل دانيال كنا تواقين لزيارته0 ووجدنا باب منزل العمدة البسيط محلى بزخارف بديعة. واستقبلنا في غرفة صغيرة معتمة, تستعمل مخزنا للتمباك وللاستقبال في آن واحد. عاش العمدة في بتافيا سبع سنوات, وكون ثروة من تجارة (الباتك), وما زال ابنه يواصلها هناك. وحالما علمت ذلك اقترحت عليه أن نتحدث باللغة الملاوية بدلا من العربية.)
فوافق مضيفهم وسرعان ماعادت بهم الذكريات إلى جزيرة جاوة الجميلة الحالمة وحتى لقاء آخر لمواصلة الرحلة تقبلوا تحياتي0

والبدو ديمقراطيون إلى حد بعيد !!


وصباح اليوم التالي من الرحلة بعد توقف في قرية "زيمان الصغرى ) استأنفت المجموعة رحلتها بين الهضاب والوديان عبر الطريق الغربية
عبر " جول مسحة " -حاليا – بعد المرتفعات الهضبية فوق منطقة الحرشيات من الجهة الغربية مروراَ بمنطقة الرقق ثم ثلة باعمر العلياء ثم بعض القرى كاللصب" و" اللبيب ، وقبيل المغادرة وبناء على طلب المضيفين الذين وقفوا جميعاً في وداعهم قال الكولونيل دانيال :(000 وأخذنا لهم صورا فوتوغرافية بناء على طلبهم.) ثم أخذ يصف الطريق بعد تحركهم من تلك القرية السالفة الذكر قال :( تابعنا مجرى السيل العريض ثم عبرنا الهضبة التي تحيطها مصاطب ارتفاعها 300 قدما تقريبا. وعند نهاية الهضبة تقع قرية "حمم" على ارتفاع 50 قدما فوق تل في حافة الوادي الذي اتخذ اسمه منها. )
فقرية "حمم "هي القرية المشهورة في حضرموت
التي أتخذ التمباك (ألحمي ) شهرته منها وهي تبعد عن مدينة المكلا حوالي 50 كيلو متر تقريباً ،وهي موطن قبيلة" آل باهبري " السيبانية وأستوطنها اليوم آخرون ، وتزرع بها كثيراً من أشجار جوز الهند على مياه الينابيع الصغيرة, التي تسقى مزارع الذرة والتمباك الذي يزرع بعناية وخبرة فائقةعند سكان المنطقة ؛ وقد اشتهر بمذاقه المميز لمدخنين المداعة "الرشبة "0
كان الزائران الأجنبيان ( الكولونيل" دانيال فان در ميولين والرحالة الجغرافي"لدكتور. هـ . فون فيسمان) ضمن أهدافهما للرحلة إلى حضرموت يجمعان بعضاً من أوراق الأشجار والحشرات اضافة إلى المعلومات الأخرى عن مجتمع حضرموت قال :( 000حصلنا في معسكرنا [ يقصد المخيم المنتقل ] في حمم على كميات وافرة من الحشرات والنباتات. عثرنا على الفراش المسمى مبتلع الذنب (Swallow -Tail).)
ولم يفت عمدة حمم واظنه أحد شيوخ قبيلة باهبري السيبانية أن يزورهم ويحدثهم عن قرية ( حمم ) البالغ سكانها بين 200 و300 نسمة والتي تتخصص في زراعة التمباك, وهو المصدر الأساسي لمعيشتهم. ولذلك لم يهاجر إلى جاوا من رجاله سوى ثلاثة, لكنه سمع كل خير عن أرض جاوا وماتدر به من العسل واللبن على الحضارم ونساءها ذوات الأنوف القصيرة والعيون الصغيرة وكم يتمنى أن يذهب إلى هناك .
والبدو كعادتهم دائماً قلما يصدقون مع غيرهم ويجسدون دوماً مبدأ الميكيافلية (الغاية تبرر والوسيلة ) لهذا قال :(وعندما تقدما قليلا مررنا بمكان يسمى "كبر", زعم البدو أنه آخر مكان يمكن أن نجد فيه الماء لساعات, وألحوا علينا بشدة أن نرتاح هنا لفترة ما بعد الظهيرة. ومباشرة بعد موافقتي, اتضح لي أن القصة عن الماء اخترعت من أجل أن نتوقف.) كان المكان غير ملائم للتوقف والراحة من متاعب السفر لكنها كانت رغبة البدو المرافقين لهم , والماء يجلب من بئر في بطن الوادي من عمق عشرين قدما. قال (000ووجدنا أنفسنا مرغمين للبحث عن ظل يقينا من الشمس بين فجوة من الصخور ليس فيها مساحة كافية.) اغتنم فون فيسمان الرحالة والجغرافي الألماني زميل دانيال في الرحلة الفرصة وتسلق الجرف الشديد الانحدار الذي يصعد إلى الهضبة, يصاحبه أحد الجنود العبيد لكن البدو أخذتهم الدهشة والاستغراب من فعله وكأنهم يعتقدون أن لا أحداً يفوقهم في تسلق الجبال لهذا لم يصدق البدو أن "الإفرنجي" سوف يتمكن من الصعود بحذائه وسرواله أو بنطاله يتسلق جرفاً من الصخور الجيرية تصل إلى ارتفاع أكثر من ستون قدماً وأثناء ذلك قال الكولنيل دانيال :(000 وكانوا يتابعون محاولاته باهتمام من معسكرنا. لقد ولد فون فيسمان وتربى في الجبال الصخرية في "ستيريا", لذلك عندما تمكن من أن يقهر جزاء من الجدار محفوفا بالمخاطر بينما لم يتمكن الجندي إلا من متابعته بمشقة, فإن شعبيته ترسخت نهائيا بين أهل سيبان.)
فإظهار التميز وخرق العادة والرجولة والشجاعة حتى ولو في الباطل عادة مدعاة لكسب الشهرة أو الشعبية بين كثير من الأعراب وتأكيداً على ذلك قال:(000 وأصبحوا يلقبونه منذ ذلك الوقت "حرمل", وهو يعني الرفقة الحسنة, ولازمه الاسم طوال إقامته في حضرموت. و"حرمل" تحريف لكلمة "هيرمان" وهو نبات شهير في حضرموت لا تأكله الأبقار, فهو لذلك عديم الفائدة.)
وهذا مايظنه الكولنيل القنصل الهولندي غير أن الصحيح أن" الحرمل"هذا النبات العشبي الذي لا تأكله الأغنام أو الأبقاروينمو بريا في معظم بلدان الوطن العربي، خاصة في المناطق الصخرية في البيئات ذوات المطر الوفير نسبيًا كبلدان البحر الأبيض المتوسط ، فإن له فوائد طبية منها في الطب الشعبي الذي يتداوى به كثير من الناس اليوم ، كما تستعمل بذوره أيضا في أغراض أخرى كما يذكر بعض المختصين في إدرار اللبن عند النساء، وتقوية الناحية الجنسية عند الرجال. وقد أثبتت الدراسات أن القلوانيات التي تحويها بذور هذا النبات قاتلة للكائنات الحية الدقيقة، وأنها تؤثر في الديدان الشريطية0
وفي كل الأحوال فإن الرحلة والتعامل مع البدو مباشرة أكسبتهما شهرة كبيرة ولهذا قال عنهم "والبدو ديمقراطيون إلى حد بعيد,"لكن من أين له أن يستنتج ذلك ويتخذه حكماً قال :( لم يتمكنوا من حفظ اسمي, فأخذوا ينادونني منذ ذلك الوقت "قنصل". فإذا أرادوا أن يستفسروا عن شيء لا ينتظروا اللحظة المناسبة وإنما يصيحون من مؤخرة القافلة "يا حرمل" أو "يا قنصل". فأرد عليهم في الحال بنفس الصوت العالي "يا حاج" أو "يا سيباني". ثم يأتي بعد ذلك السؤال الذي أحاول أن أرد عليه مازحا. ) فالمجتمع البدوي تتمثل فيه الحرية الشخصية مع شظف العيش وقساوة الطبيعة حيث تكسبهم الصلابة و الصبر وقوة التحمل ،وتسقط كثيراُ من التكاليف المعهودة في مجتمع الحضر فهم يستمتعون بالضحك مع هولاء الأجانب من دون تكلف , قال : ( وإذا استطاع الإنسان أن يمتلك زمامهم بالحفاظ على روح المرح عندهم, فإنه يستطيع قهر ما هو عصي لديهم. واتضح لي ضرورة خلق صداقات مع البدو, على أن نحافظ في نفس الوقت على مسافة في علاقتنا حتى يشعروا بنفوذنا.)
ومما تجدر الإشارة أليه أن فون فيسمان استطاع أن يرى من فوق حافة الهضبة المرتفعة على البعد منظرا بديعا. في الجنوب الشحر والبحر, وفي الشمال أعلى جبل في حضرموت هو كور سيبان, والكتلة الضخمة للصخور الجيرية العتيقة. وفي الشرق والغرب السهل اللامتناهي 0
ثم أصبح من الضروري التحرك نحو دوعن بوادي حضرموت في صباح اليوم التالي حين بدأت الشمس ترتفع من اعلى الكتلة الصخرية التي كانوا قد باتوا تحتها قال :(000 وارتفعت الحرارة إلى 33 درجة, أرغمنا على الرحيل, بالرغم من أن البدو لم يكونوا ميالين لذلك. فكان إيقاظهم مشقة)
سنكمل الرحلة معهم إن شاء الله تعالى لكم تحياتي

كور سيبان والبدو يدهنون بالسمن والنيلة على اجسامهم!




لأكثر من 400 كيلومتر تمتد الهضبة الجنوبية في إقليم حضرموت الواسع من الغرب حتى الشرق ،على شكل قوس التوائي أعلاه في الغرب (كور سيبان )التي يصل ارتفاعها إلى 1230 مترا فوق مستوى سطح البحر وأدناها في الشرق نحو 615 متراً وتنحدر نحو الشمال باتجاه وادي حضرموت وهو طريق سير رحلة ( الكولونيل" دانيال فان در ميولين والرحالة الجغرافي"لدكتور. هـ . فون فيسمان) ورفقتهما من البدو والجمال والجنود من عبيد الدولة القعيطية والحضر يمثلهم السيد علوي العطاس المرافق للرحلة في مايو عام 1931م 0
وكنت قد تحدثت في الحلقة السابقة من هذا الموضوع الذي جعلته حصرياً على سقيفة التراث والتاريخ بسقيفتنا العامرة (سقيفة الشبامي ) عن توقف الرحلة في وادي (حمم ) الذي لايبعد عن الساحل سوى 50 كيلو متراً ،ونقلت لكم عن بعض المظاهر الطبيعية وأنشطة السكان في الوادي السالف الذكر وطرفاً من مجريات وصف الرحلة عبر الطريق الغربي المؤدي نحو وادي دوعن أحد أهم فروع وروافد وادي حضرموت الكبير مهد الحضارات الإنسانية و العربية القديمة ،ومهبط لبعض الرسل والأنبياء و بعض آيات الله الكونية والشرعية كما تحدث بذلك القرآن الكريم والتوراة والإنجيل ،وهاجر منه خيرة أهل حضرموت من الصحابة والتابعين 0 ومما تجدر الإشارة أليه أن أولى محطات التوقف للرحلة بعد استئناف السفر كانت قرية " الحسى" التي ينتمي أليها قائد الرحلة سائق السيارة المعروف "بالموتور "وكان ذلك مدعاة للتعطيل ومضيعة للوقت في ذلك اليوم, فلم يكن البعض على استعداد لمغادرة الحسى تحت أي ظرف.
لهذا قال الباحث نسي البدو الآن كل مشاحناتهم وأخذوا يشعون بالرضى واللين. ونهض أهالي الحسى لقطع العلف للحيوانات, وجاء كل السكان لمشاهدة معسكرنا, بعد ذلك أخذ (موتور) كل رفاقه ليتناولوا الطعام في القرية. وكان قد جاءنا قبل ذلك بفوطة مليئة بالنبق. تسمى شجرة النبق السدر أو الدوم, ولها أهمية جوهرية في هذه الأجزاء من حضرموت000 )
وعلاوة على قيمته الغذائية التي يستخدمها أهل القرى والأرياف فإن كثير من البدو قديماً كانوا يعيشون على النبق واللبن من حيوانات الرعي في أوقات الندرة
ولا يبدو عليهم الهزال من هذا الغذاء كما رآهم الرحالة الدكتور. هـ . فون فيسمان0
ولأشجار النبق "الدوم "فوائد كثيرة في حضرموت من ذلك استخدام أوراقها "اللين " للغسل (غسة ) وتنظيف الشعر وتطهير الميت فهي ملينة ومنظفة للأوساخ بعد طحن أوراقها الجافة " وأما أخشابها تبنى بها أسقف المنازل ويصنع منها النوافذ والأبواب ،وأدوات ووسائل الحرث 0
وأما الزهور فهي مصدر رئيسي وهام لرعي النحل وقد اشتهرت دوعن بعسلها الذي مصدره رحيق زهور النبق أو العلب وقد لاحظت أن الباحث لم يلتفت لهذا على أهميته0
وتابع الكولونيل وصف منطقة أو قرية الحسي الشاهقة الارتفاع قال (تقع الحسى على ارتفاع 4500 قدم فوق سطح البحر, والليالي هنا باردة. وبينما نحن هناك فحصنا أكداس النباتات التي جمعناها من قبل وضغطناها. ولخيبة أملنا الكبرى وجدنا أغلبها قد تعفن بالفطريات000)
وفي كور سيبان المكان الذي يصفه الجغرافيون ومنهم الرحالة الجغرافي الألماني الدكتور. هـ . فون فيسمان0
ب أنه أعلى قمة جبلية مرتفعة في حضرموت وقد رغب الرحالة الألماني في تسلق القمة وبالطبع كان فون فيسمان يريد تسلقه. ووضعنا الترتيب بحيث يتحرك في فجر اليوم التالي مصحوبا بجندي وبأحد البدو ليكون دليله, بينما أقوم أنا مع الجندي الآخر بالأشراف على استعدادات المعسكر للرحيل وحث القافلة على التقدم السريع, ثم نلتقي مرة أخرى عند توقفنا بعد الظهيرة.)
ونتيجة للارتفاع الشديد عن مستوى سطح البحر تجد أن درجات الحرارة تنخفض كثيراً في هذه المنطقة حتى أنه لأتزيد في أعلاها عن 20 درجة مئوية في شهر مايو الحار ،ويمكن استغلال واستثمار هذه المنطقة بشكل جيد والاستفادة من صخورها الجيرية والتي تعد خاماً لصناعات مختلفة منها الأسمنت 0
وتابع الكولونيل وصف طريقه بعد اسيقاضهم من النوم في اليوم التالي قال: (كان الليل في الحسى شديد البرودة, حتى غدا النوم في الفجر مستحيلاً, فليس من السهل الاستيقاظ مبكراً. سرنا في صباح هذا اليوم الثاني عشر من مايو من السادسة والنصف حتى الحادية عشرة، وأنساب طريقنا فوق الأرض العالية المستوية, ومما يثير الانتباه هضاب الصخور الجيرية المسطحة, التي يخترقها الوادي عموديا ومن ثم تبدأ الوديان الجانبية.)
لقد لاحظ الباحث الهولندي و الرحالة الجغرافي الألماني البيئة التضاريسية والمناخية للمنطقة ومظهر الشقوق العرضية والطولية التي يتميز بها الجزء الجنوبي الغربي من هضبة حضرموت الجنوبية وانحداراتها الشديدة الوعورة ووضع لذلك تفسيراً مقنعاً وفق نظريات المناخ وأقتنع بنظرية "كيتاني" (Caetani) في تفسير أسباب الجفاف ورأى أن السبب يعود إلى تعرض المنطقة لأمطار غزيرة في أزمنة متقدمة عرضت الهضبة الجنوبية الغربية لتأثير التعرية المائية الكبيرة المنسابة نحو البحر على نحو ما رآه من مظاهر تضاريسية وتركيبات صخرية جيرية قال إن كثرة الأمطار في هذه الهضبة الجرداء, حيث تتسرب كل المياه في الحال, ربما سببت فيضانات عاتية اندفعت بقوة أولية خلال الوديان إلى البحر. بهذه الطريقة تكونت وديان شديدة الانحدار فوق الهضبة.)
وفي كل الأحوال فان كور سيبان أعلى جبل في حضرموت حيث يشاهد الإنسان منظرا بديعاً فوق "وادي حويرة" , الذي أحدث تجويفا عميقاً في الجانب البعيد من كور سيبان يقع حوالي 3000 قدم.
ينمو على إحدى القمم الشاهقة من كور سيبان نبات لعله شجر التين, وبه عناقيد كبيرة من زهور محمرة رأى ذلك الزائر والباحث الهولندي عام 1931م 0
وأستمر السير نحو الداخل مخترقاً الهضاب التي تنتشر في (الجول الجنوبي ) وبرودة الجو تزيد بعد أن غربت الشمس قال وما إن غربت الشمس حتى بدأنا نرتجف في ملابسنا الخفيفة, فأسرعنا بارتداء ملابس دافئة قدر المستطاع. أما رفاقنا البدو فليس لهم أي ملابس دافئة ولا حتى بطانيات يتغطون بها أثناء نومهم. فكانوا يجلسون في الصقيع والأجزاء العليا من أجسامهم عارية, ويبدو أن ذلك لا يؤذيهم. على الرغم من أنهم يوقدون نارا يتحلقون حولها إلى وقت متأخر من الليل, يحكون أقاصيصهم أو ينشدون "دانا دانا" بتطريب. وكان وقع أصواتهم النكراء منفرا000 )
كان الليل بارداً في قرية "القمرة" التي باتوا بها تلك الليلة .
وفي الصباح واصلوا الرحلة فالطريق ينبسط في بيسر فوق الهضبة المنحدرة, وقد مروا بعد ساعات من سيرهم بقريتين بها عدد من الأهالي كانوا في انتظارهم يطلبون منهم شيئاً من الأدوية ويعتقدون أنها مع الأغراب القادمون من الخارج قال : (وقضينا فترة الراحة ما بعد الظهيرة في مربعة. توافد علينا هنا بعض سكان القرية يطلبون أدوية. فكنت أجثو عند صندوق الأدوية في الشمس المحرقة أحلول أن أعالج المرضى, فأقوم بتنظيف العيون المغطاة بأوساخ الالتهاب بالقطن والبوريك ثم بقطرات من الدواء, أما المصابون بالحمى فأعطيهم أسبرين مع كوب من الشاي الحار والليمون لعلاج الصداع والحمى. ونظفنا الجروح المتقيحة وربطناها بالضمادات. كما أعطينا بعضهم زيت الخروع والكينياء.)
ورغم اضطرارهم لتعرض الغرباء في الطريق لطلب معالجتهم من بعض الأمراض ،غير أن مظهرهم يوحي بصحتهم والعافية التي يتمتعون بها تلك الأيام قبل انتشار القات بينهم هذه الأيام قال ويعطى السكان انطباعاً بالصحة والعافية, وعلى الرغم من أنهم لا يغسلون أجسامهم إلا نادراً, ويمسحونها بالسمن والنيلة, لكن المدهش أن الأمراض الجلدية قليلة بينهم. )
وأردف في وصف البدو في هذه القرية ألمسماه (الدهماء )التي تتكون من عشرين منزلاً صغيراً مبنيا من الحجارة وبها بعض من الزراعة التي تعتمد على مياه الأمطار غالبية البدو صغار الأجسام وبنيتهم ضعيفة, لكن لهم قوة تحمل عظيمة ولا يعطونك الانطباع بأنهم يعانون نقصا في التغذية.)
غير أنهم يعانون من انتشار بعض الأمراض المنتشرة في القرية التي أدت إلى فقدان البصر كما لاحظ كثرة القبور الجديدة حول القرية قال (
كان عدد المصابين بالعمى وبأمراض العيون الأخرى مروعا. والمقبرة التي تقع خارج القرية كبيرة. صفوف من المقابر مغطاة بأكوام من الحجارة مما يعطى انطباعا بأنها حديثة. ويبدو أن "الدهما" ابتليت بوباء.)
وبعدما اجتازوا قرية "دهما" شاهدوا (الكريف ) الذي أطلق عليه المستشرق ببحيرة صناعية تم حفرها بجهد كبير لتحفظ ماء المطر, مخصصة لشرب الإنسان والدواب كانت جافة في ذلك الوقت 0
وإلى لقاء آخر بأذن الله تعالى لكم تحيات كاتب هذه الوقفات أبو صلاح حفظه الله0